السبت، 4 ديسمبر، 2010

علاقة المثقف بالسلطة .. رؤى وتصورات أولية


بين المثقف والسلطة علاقة شائكة ومعقدة، وهي علاقة تاريخية، بدأت بعلاقة مع ماعُرف بظاهرة ( أصحاب القلم ) من كُتاب ومعلمين وفقهاء ووعاظ سلاطين يغشون دواوين السلاطين والخلفاء والأمراء والولاة، ويمنحون الشرعية لسلوكياتهم مهما كانت متقاطعة مع مدلولات النص الشرعي.. حتى وصول مفهوم (المثقف الاصطلاحي) إلى ساحتنا الثقافية في عصر النهضة، بحمولته الغربية، ثم بحمولته العولمية ، أو تلك التي تعتمد على اجترار مصدره اللغوي وعلاقاته المعرفية البحتة.
وربما يعود السبب في هذا إلى أن المثقف العراقي كان يشكو وما يزال من ضآلة دوره مع الجمهور وهذا يعني بالنسبة إليه أن السلطات لم تعبأ به ولم تحسب له حساباً ولم تأخذ بأفكاره ومشروعاته.
يمثّل المثقف في كل مجتمع صمّام الأمان الذي يحول دون حدوث الخرق السلبي الذي يمسُّ قضايا الوطن والمواطنة والحياة الاجتماعية ، وهذا يعني أنَّ المثقفين يحملون مسؤولية ترتقي فوق أشكال الثقافة ومضامينها.
والبديهية ، تفرض إلغاءً لكل مسببات تواجد ثنائية الصراع والتضادّ بين المثقف والسياسي ، أو بين الحاكم والمحكوم ، ومهما كانت التصنيفات والمسميات ، مادامت مزايا العلاقة المفترضة قائمة ، ليس بين خصمين لدودين ، بقدر ما هي قائمة بين قطبي رحى تدور، ضمن محور أصيل ، وثمة مادة داخلة ، ونتاج مُخرجٌ ، وجهد متواصل دون عارض ولا تنافر مقصود ، فذلك منطق العضوية والفاعلية والتكاملية في الأدوار بين السياسي والمثقف ، وساعتها فقط تصبح ( السياسة / الثقافة ، والسياسي / المثقف ) لكل الناس والمجتمع والوطن.
غير أنَّ هذا لم يجد سبيله الى العراق المعاصر ، بوصفه دولة ، منذ نشأته في عشرينيات القرن المنصرم ، لحين تدمير جميع التشخيصات النقدية السابقة ، للواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي ، ونثر منطلقاتها ومعطياتها . فهل سيتصدى المثقف العراقي للعب دوره الحقيقي في تحديد ملامح هذه السلطة ومحاربة الظواهر السلبية أم إنه سيبقى أسير الخطاب المعارض الذي تبناه معها يوما ما ؟
ويأتي هذا في وقت يعود فيه الجدل مرة أخرى لهذه العلاقة بين المثقف العربي والسلطة، بسبب التحولات السياسية المختلفة التي باتت تشهدها المنطقة العربية بشكل عام والعراق بشكل خاص، من تحديات جديدة تمر بها المنطقة العربية ومشروع الشرق أوسط الجديد الذي تطرحه أمريكا، وما يرافق ذلك من انجرار الأنظمة العربية وراء ما تطرحه العولمة.
هناك اكثر من علاقة بين المثقف والسلطة ، فكما تبدو العلاقة أحياناً بينهما انتهازية ومصلحية ، كذلك تبدو احيانا اخرى مرتبكة ومتوترة واستبدادية..
وبين هذه وذاك ثمة علاقة ثالثة تحاول أن تمرر علاقتها على حساب مشروعها الثقافي ولكنها في ذات الوقت تعطي مشروعية ثقافية لكل معاني تلك العلاقة مهما بدت غير أخلاقية وليس لها وجه إنساني.. وهو أساس الاشكالية التاريخية في مفهوم المثقف ومشروعه الثقافي، حيث يفقد أهم مقوماته في غياب هذا الوجه.
يمكن تصنيف تلك العلاقة التي تربط المثقف بالسلطة، على اعتبار انها تنتمي اجمالاً إلى ثلاث حالات:
أولها علاقة تحالف وانسجام بين المثقف والسلطة على نحو يجعل التمييز صعباً بين السياسي والمثقف..بحيث يكون بوقا لها في مقابل منح مادية او وظيفية..
وأخرى علاقة قطيعة وتباعد تجعل المثقف عيناً على السلطة، وفي بعض الأحيان نقيضاً لها..نتيجة عدم تقبلها لطروحاته النقدية وآرائه التقويمية..
وفي حالة ثالثة وهي الأخطر أو الأكثر التباساً وهي ان يكون المثقف مع السلطة وضدها في آن واحد .. يد مع قضايا المجتمع وهمومه وآلامه ويد مع السلطة، حتى ترتب على تلك الموازنة الكثير من الخلط والاستغراق في نشاط قد لا يقود في النهاية سوى إلى مزيد من الالتباسات.. التي تستغرق زمناً وجهداً مضاعفاً لفك اشتباكاتها وعلاقاتها المتداخلة..وتصبح مع الوقت مثار جدل بين مؤيد ومعارض ، الأمر الذي ينعكس سلبا على دوره الاصلاحي المنشود.
الفئة الأولى من المثقفين، أصبحت مع الوقت جزءاً من نسيج السلطة، وقد تبدو احياناً كثيرة من أدواتها.. ولا يعني هذا تشنيعاً عليها أو استنكاراً لأدوارها على الاطلاق.. إلا انها بهذه الصفة قد تفقد أهليتها الثقافية، وقد تتحول مع الوقت إلى مقاول ثقافي يمرر اجتهادات السلطة عبر أدوات ووسائل معرفية..
وبغض النظر عن مدى مصداقية هذه الفئة أو نظرتها المنحازة للإنسان أو مصالحها الخاصة، ومهما بدت هذه الفئة المثقفة منحازة إلى مبادئها ووفية لقيمها، إلا انها ستجد نفسها مع الوقت أسيرة تلك العلاقة، والتي سترتب عليها مع مرور الوقت الانجذاب إلى نسق السلطة وعلاقاتها وخصوماتها وحساباتها.
الفئة الثانية، هي تلك التي اتخذت منذ البدء أو على مراحل، الانفصال عن السلطة وجعلت بينها وبين السلطة مسافة كافية لاعتبارها في خانة المراقب أو المعارض أو الراصد.. وقد تبدو هذه الفئة وفية لمبادئها، مخلصة في الابتعاد من أجل ان تحافظ على وهجها ونقائها وطهوريتها.. لكنها أحياناً تكون مصابة بداء العزلة والاستقالة من العمل العام وأعبائه، وتفضل ان تكون في الجزء الآمن من معادلة المثقف والسلطة.

الفئة الثالثة، يبدو لي انها الأكثر تأثيراً على مشروع التطوير والإصلاح، وربما أكثر تقدماً أو تعطيلاً لمقدرة المجتمع على فرز الوجوه المثقفة ووضعها في مكانها الطبيعي، فهي فئة تحب ان تكون بعيدة بمسافة محسوبة عن السلطة.. لكنها قريبة بما يكفي.. فتكون لها وظيفة خاصة تجعل منها الفئة الضرورة والوسيط المناسب بين سلطة، تحاول بين وقت وآخر الاستحواذ على مزيد من المثقفين وتعمل جاهدة في وقت آخر على قمع الخارج على نسق الاستحواذ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق