الثلاثاء، 30 يونيو، 2009

بحث : واقع الإعلام العراقي بعد التغيير السياسي


هدف البحث
لكل رسالة إعلامية هدف خاص يراد تحقيقه من خلال منهج مرسوم اذ تلتقي أهداف هذه الرسالة في محصلة اجتماعية وطنية عامة ، وذلك بايجاد بيئة تلق تسعى لتحقيق الانسجام بين الأهداف ، في سياق توجه فكري وطني معتدل يحقق الشخصية الاجتماعية الإنسانية المتكاملة عند متلقي الرسالة .
وأما مدى التأثير في تحقيق الهدف المنشود فهو منوط بمقدار استجابة المتلقي نفسه ، وبمقدار تأثير المرسل بالمتلقي حتى يجعله متكيفاً أكثر مع الاستقبال.. فإن كان اعلاما وطنيا هادفا معتدلا في طرحه خلق لنا متلقيا فاعلا مؤثرا في البناء ومحاربة كل الآفات التي تهدد أمن المجتمع وتعايشه السلمي ، وان كان اعلاما متطرفا أو سطحيا خلق لنا فردا هامشيا غير فاعل في البناء الوطني، ان لم يكن متطرفا..
وقد مضت سيرة الحياة الإنسانية ضمن سلسلة علاقات متعددة تقوم على اتصال الإنسان بالإنسان أفراداً وجماعات وأمماً، حتى أمكن التنظير لهذه الفطرة وكشف فلسفتها المتوزعة على نواحي الحياة العامة ، ضمن سلسلة من العلوم والمعارف كان منها الإعلام .
إنّ طرح هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات، وفي العراق بالتحديد، يكتسب أهمية خاصة لأنّه أصبح يثير إشكاليات جديدة تتجاوز ما كان مطروحا في السابق من إشكاليات.
وسنسعى من خلال هذه الدراسة الى تقييم أداء الاعلام العراقي بعد التغيير الذي حصل في العراق عام 2003م ، وتحديد الإشكاليات الجديدة التي تطرحها العلاقة بين الإعلام والواقع العراقي الجديد ، وصولاً الى دراسة سبل حلها واحلال البديل الموضوعي المرتكز على الوطنية وروح الاعتدال..
ولهذا ايضا يحاول هذا البحث ان يعالج موضوعة الاعلام العراقي الراهن ويكشف عن اثره ودوره المحوري في صنع الانسان وتحريك طاقاته الايحائية والابداعية،من خلال اعادة رسم الهياكل والادوار والاهداف للاعلام الهادف الوطني المعتدل ، وبيان قدرته على تحريك المتلقي ، باتجاه بنائي واسع الافق..
تأثير الاختلالات العربية على الاعلام العراقي
نستطيع أن نقول إن العالم العربي والعالم الإسلامي اصبحا منذ سبتمبر 2001 في قلب السياسة العالمية والاستراتيجية العالمية، بمعنى أنه قبل ذلك كان العالم العربي والشرق الأوسط موجودا ومهما ومؤثرا، ولكن لم يكن القضية المتصدرة للقضايا العالمية فقد كانت القضية الاستراتيجية الكبرى على المستوى العالمي في ذلك الوقت هي الصراع بين الشرق والغرب (الاتحاد السوفياتى والولايات المتحدة الأمريكية) .
وكان قلب هذا الصراع موجودا في أماكن معينة من أوروبا الشرقية وبرلين، إنما هذا العالم القديم تغير تماماً، وحدثت ثورة حقيقية في نهاية الثمانينات مع سقوط الاتحاد السوفياتي ومع التدهور الذي حدث في الكتلة الاشتراكية ثم بروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة واحدة في عالم اليوم ابتداءً من أوائل التسعينات، والتي واكبتها جهود أكاديمية وعلمية وثقافية.
فالتطورات التي تحدث هنا لها علاقة مباشرة بالاستراتيجية الكونية كلها، فليس مصادفة في هذا السياق أنْ بدأت تظهر قنوات عربية تليفزيونية عابرة للقارات لأول مرّة في التاريخ وبدأت تأخذ مكانها للتنافس مع القنوات الفضائية الكبرى، وبدأ المواطن في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم كله يشاهد قنوات عربية وهذا لم يحدث من قبل، بل كان الإعلام الموجود في المنطقة خارج سياق المشاهدات العادية للعالم وأصبحت بعض القنوات العربية في مقدمة القنوات التي تقدم أخبارا ويُنظر إليها ، وأصبحت قنوات عالمية نتيجة التطورات السياسية والاستراتيجية التي ذكرت من قبل.
وقد شهدت البيئة الإعلامية العربية والاسلامية في السنوات القليلة الماضية تغيرات نوعية ، نتيجة ما فرضته متطلبات العمل الإعلامي في ظل فضاء مفتوح يزخر بفيض هائل من الأخبار والبيانات والمعلومات في كل لحظة ومن كل بقعة في العالم دون أي اعتبار للحواجز الجغرافية والحدود الوطنية.
لقد أسهمت ثورة الاتصال والمعلومات في إحداث تحول على المشهد الإعلامي العربي في العقد الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين ، فقد استجاب الإعلام العربي لتأثير هذه الثورة الكاسح، واستطاع أن يطور قابلياته للاستفادة من بعض فرصها، فنشأ ما يسمى بإعلام ( الموجة الجديدة ) المتمثل في القنوات الفضائية العربية والصحف والمجلات الإلكترونية والمواقع الإخبارية على شبكة الإنترنت.
ومن هنا فإن الوطن العربي قد انكمش جغرافيا وعمليا إزاء زحف الثورة الإعلامية، أي أنه لم يتجاوب مع الدلالات الفكرية والاجتماعية لتوسع مساحة الفعل الإعلامي، في الوقت الذي يبدو فيه متجاوبا مع حجم الاستثمارات المالية في هذا المجال، إذ يشهد ولادة محطة فضائية جديدة كل أسبوع تقريبا.
ومن جهة أخرى فإن التطور الكمي والوعي الهائل والتسارع في ميدان الاتصال قد ألقى بظلاله على الأداء الإعلامي العربي، فذهبت بعض وسائل الاتصال العربية -وبشكل خاص القنوات الفضائية- إلى اعتماد البرامج الترفيهية التي تقلد البرامج الأميركية والأوروبية أو تستنسخها.
وعلى مستوى الفاعلية الرسمية والشعبية في الوطن العربي، فإن الإعلام العربي ما زال منقسما بين خطابين منعزلين ومتباعدين: خطاب حكومي رسمي نمطي مثقل بهاجس الخوف من الرأي الآخر، وخطاب إعلامي معارض متواضع من حيث الإمكانات المادية والتقنية، ولكنه متخم بالضجيج من دون أن يعرض برنامجا بديلا أو يكسب تأثير وقوة جماعات الضغط لصالحه.
ولم يكن العراق بمنأى عن تأثير هذه المعادلات العالمية خصوصا بعد سقوط نظامه القمعي ودخول القوات متعددة الجنسيات ومارافق ذلك من انفتاح على السوق العالمية ومنتجاتها التقنية وهوامش الحرية المتعددة ثقافيا واعلاميا، وما صاحب هذا الانفتاح من بعض القراءات الثقافية والاجتماعية الخاطئة وسلوكيات اعلامية مغلوطة . من هنا برزت الحاجة إلى تسليط الضوء عليها وتقديم مقاربات لمعالجتها وتجاوزمعوقاتها وعلى رأسها التطرف والفوضى في الخطاب الصحفي والنتاج الاعلامي ، تمهيدا لحلها في بلد انعتق للتو من ربقة الاستبداد والارهاب وبدأ ببناء مؤسساته سلمياً ..
ومما لا شك فيه أن زخم النشاط الإعلامي في العراق ازداد خلال السنوات الست الأخيرة ، بعد التغيير السياسي الحاصل فيه عام 2003 ، كما أن مكوناته اتسعت على نحو غير مسبوق، فبرزت فضائيات عراقية وسعت هامش الحرية والتعدد، وامتد نطاق تأثيرها إلى ما وراء الحدود الوطنية، وقدمت خطابا بديلا عن الخطاب الإعلامي الرسمي .
ولما كان العراق جزءاً لا يتجزَّأ عن العالم العربي والإسلامي ولايختلف كثيرا في تأثره عن غيره من الدول والمجتمعات التي تعرض لما يبثّ من برامج إعلامية مختلفة؛ فقد كان طبيعياً أن يتأثّر كثيرا بمضامين وأهداف الرسائل الإعلامية الصادرة من أجهزة الإعلام المختلفة، ولا سيما بعد سيطرة الشبكات الإذاعية والأقمار الصناعية ، وحيث لم يكن هنالك بديل عنها تقدّمه الدول والمؤسسات العربية والإسلامية، والتي كانت، بل وما زالت، لا تمتلك تقنيات الاتصال الحديثة أو التنظير اوتأصيل الحالة الإعلامية، فتأخر الاعلام عندنا بالقياس للدول المتقدمة وكرّس في ذهنية الجيل كثيرا من رواسب التطرف والانتماءات الفئوية والحزبية والطائفية.
تقرير إشكالية الاعلام العراقي
من المؤكد أن العهد الإعلامي الجديد لا تمكن مقارنته بإعلام الحقبة البائدة . ففي تلك الحقبة لا يمكن القول إنه كان يشكل ظاهرة تستحق التأمل أو الدراسة، فقد كان سلطوياً بامتياز، أي انه كان مكرسا للسلطة الحاكمة بكل خطوطه، وفي السنوات الأخيرة أصبح مكرساً لشخص واحد وعائلته المالكة.
كان إعلاماً موجهاً، ابتداء من انتقاء الكلمات، والمواضيع، وانتهاء بالكتاب والصحافيين الذين يرشّحون للكتابة في المواضيع الحساسة بالخصوص.
وهذا أيضاً تجلى في عدد المنابر، اذ لم يكن هناك سوى ثلاث أو أربع صحف، ومحطتي إذاعة وثلاث محطات تلفزيونية، احداها مملوكة لإبن الرئيس عدي صدام حسين، مع الأخذ بعين الإعتبار حقيقة أن كافة المنابر تلك لا تختلف كثيراً في مضمون الرسالة الإعلامية أو التحليل، أو حتى أحياناً أسماء الكتاب، مما جعل ذلك الإعلام يصنف في خانة الإعلام الموجه، المراقب، والخالي من الروح الإبداعية، سواء على صعيد الفكر السياسي أو على صعيد الأشكال الفنية التعبيرية في البرامج والمقالات والآراء والتحليلات والصورة وآليات العمل.
كل ذلك لم يعد موجوداً في إعلام العراق اليوم، على العكس. إنه يشكو من كثافة التنوع والفوضى المهيمنة عليه، وتباين الأساليب والآراء الفكرية، ومهنية أو عدم مهنية الصحف والفضائيات والإذاعات. هناك اليوم اكثر من عشرين فضائية، وعشرات الصحف اليومية والإذاعات، وعشرات المجلات الثقافية والفكرية في بغداد وحدها، عدا الوسائل الإعلامية في المحافظات.
ما يلفت النظر اليوم في الإعلام العراقي، مقارنة مع الإعلام العربي عموماً، وجود حقيقتين:
الأولى: هي عدم وجود وزارة إعلام عراقية، وبذلك تخلصنا من عبء مؤسسة بيروقراطية، متوارثة، ذات ماض سلطوي.
والثانية: غياب الرقابة الحكومية، المسلطة على رؤوس المفكرين وأحرار الإبداع والصحافيين، وهذا ما أضفى صبغة من التميز على الحقبة الإعلامية الحاضرة، وهي تعكس، بشكل مباشر، واقع ما يمر به العراق حالياً، لا على الصعيد الإعلامي فقط ولكن على كافة الأصعدة.
لكن غياب وزارة إعلام ورقابة على المطبوعات، لا يعني بالمحصلة أن هذا الإعلام صار حراً بشكل كامل ، فثمة خطوط حمر غير مرئية، يستشعرها معظم الكتاب والصحافيين ورؤساء التحرير في تلك الصحف والإذاعات والفضائيات.
وهي من زاوية معينة تمتلك جانباً ايجابياً، ومن زاوية أخرى تمتلك جانباً سلبياً، على اعتبار ان غياب أي فحص لمستوى الخطاب يؤدي إلى الفجاجة والسطحية والإبتذال غالبا.
وتتوزع المنابر الإعلامية على أنواع متعددة تبعاً لجهاتها الممولة لها ، ولحد الآن لم يصبح هناك قانون يحدد الشروط المتوفرة لفتح الوسيلة الإعلامية، مع أن الدستور حدد خطوطا عامة لتنظيم الإعلام.
وعلى صعيد آخر جاء العراق في طليعة الدول التي قدمت ضحايا في حقل الصحافة والإعلام، اذ قتل او اختطف مئات الصحافيين والاعلاميين العراقيين والأجانب، خلال السنوات الست السابقة، بعضهم قتل او اختطف بسبب كتاباته، والبعض بسبب الهوية المذهبية.
وهذا أحد جوانب المعركة الدائرة على المستويات كافة في ساحة العراق، مع التنويه إلى أن الأداء العراقي، الحكومي والشعبي والمؤسساتي، ونتيجة لضعف المهنية، والتشرذم الموجود، ومحلية الأفكار والطروحات، لم يستطع ايصال رسالته إلى الجمهور العربي، ولا الوقوف بندية تجاه الإعلام التخريبي الموجه .
والملاحظ أن الهبّة الإعلامية التي بزغت بعد سقوط النظام، مرت بتحولات عديدة، وهذا أمر بديهي ضمن بكورة الحرية الإعلامية التي يعيشها العراق. ففي البدء كان المهم هو تأسيس الوسيلة الإعلامية لكي تنطق بإسم هذه الجهة او تلك ، وكان التأسيس عادة ما يترافق مع تدني المستوى، والخطاب المباشر ، وعدم تقدير وقع الخطاب على القوى السياسية الأخرى، أو على الجماهير.
لكن المشاكل التي يسببها هكذا نمط من الإعلام سرعان ما بدأت تظهر إلى السطح، وجعلت القائمين على وسائل الإعلام تلك يستفيدون من الأخطاء وردات الفعل تلك، فيعدّلون او يلطّفون من المباشرة، ليصبح الخطاب اكثر دبلوماسية وأكثر دقة.
أثر التطرف في تكريس اشكالية الخطاب
وكان للتطرف اثر بالغ على الخطاب الاعلامي العراقي فالمتتبع للأحداث في العراق يرى بجلاء أن بعض خطابات تلك الفترة سواء حزبية أو مناطقية قد لبست لباس الوطنية او الدين وأخذت تطور اتجاها سياسيا يستند إلى هذه المتبنيات و جعلت من ذلك مسوغا لها إلى المتلقين .
وقد القى التطرف بظلاله على الشأن الاعلامي العراقي حينما جاء مساوقا لبعض المتبنيات الحزبية و السياسية فطرحها على أنها من اللوازم الدينية او الوطنية التي لايمكن إنكارها فزاد الأمر تعقيدا ، وقد خلق نوعا من الطائفية البغيضة التي جاءت متدرعة بالمقدس تستوطن العقول وتوغل من إنتاج أنساق مختلفة من التحزب السياسي والطائفي والمذهبي الذي الحق ويلحق افدح الأذى بوحدة التاريخ والمصير العراقي.
وكان من خلال شدة وعمق اثر الاعلام في صيغته المتطرفة نرى ونسمع بشخص يلقي بنفسه إلى التهلكة أو أن شخص يدخل على شخص فيقتله أو أن مجموعة تهدد بالتهجير أشخاصا آخرين او ان يفجّر احد نفسه في سوق شعبي ، لأنهم عرضت امامهم فتاوى من يفتي بذالك وإنهم يدخلون الجنة لممارستهم افضل الاعمال !! ..
وكنا نرى ذلك على مسرح حياتنا كل ساعة وكل يوم، ويقوم الاعلام بعرضه والترويج له كرسالة اعلامية هادفة!..
وكانت التغطية الإعلامية المتواصلة للأنشطة الإرهابية وعرض مواقف أصحابها قد عزّز الاستخدام المتداول لأساليب العنف والاغتيال، وسهّل على الحركات المتطرفة تمرير خطاباتها وتنظيم شبكاتها ودعم وسائلها مستفيدة في ذلك من قيم الغرب في حرية الرأي..
اشكالية التمويل والدور الحكومي
ان الاشكالية المذكورة أسست لإعلام يجري وراء رغبات الجمهور وان كانت متدنية احيانا، اي ان الدور ينعكس تماما في هذه اللعبة، حيث لم يعد الاعلام معلما بل اصبح هو الطالب في مدرسة الشارع ونزواته ومزاجه.
وبتحليل هذه الحقيقة نكتشف ان السبب في هذا التحول هو انعدام الحالة الوسطى النموذجية المعتدلة في العلاقة بين الاعلام والحكومة، فإن هناك تطرفا في هذه العلاقة ؛ أما ان يقع الاعلام اسيرا للسلطة..او يخرج من تحت عباءتها بشكل انفصالي كامل كأية شركة اهلية، لتكون الحكومة خرساء بلا إعلام وتكون المؤسسة الاعلامية سائبة وتجارية ومتدنية الدور وبلا مرجعية سياسية.
اذا كان المعنيون في العراق من سياسيين واعلاميين حريصين على نجاح تجربتهم الحالية فالمفروض ان يفكروا بابتكار حالة جديدة من التعاطي بين السلطة والمؤسسات الاعلامية، بعيدا عن الاستحواذ الكامل او القطيعة الكاملة.
والقضية تبدأ من التمويل، اذ يمكن للحكومة ان تتحمل جزءا من تمويل وسائل الاعلام تمويلا غير مشروط، باعتبار ان هذه المؤسسات هي جزء من المجتمع المدني الذي تسعى الحكومة لتنميته وتطوير مؤسساته.
ويمكن أن تسدّ هذه الحالة ثغرة في الامن الوطني خاصة عندما تجد جهات معادية الفرصة سانحة لشراء الصوت الاعلامي الوطني مستغلة أزمته المالية لكي يتحول الى مروج لسياساتها.
وبعد مشكلة التمويل تظهر مشكلة الحقوق الانسانية للاعلاميين ، وهو دور حكومي ايضا فالجميع الآن يعانون من فقدان الأمن المهني او المعيشي بسبب عملهم في مؤسسة تبدو وكأنها بائع متجول لايفكر الا بقوت يومه.
وكما هو معروف لايمكن لأية صنعة او مهنة ان تزدهر وتتطور مادام القائمون عليها يعيشون قلقا متواصلا يخص مستقبلهم المعيشي،فإن الضمانات المعيشية والمساعدة الحكومية في التمويل ستجعل وسائل الاعلام تشعر بالانتماء الى وطنها وتجربته وتبذل جهدها لخدمة هذه التجربة من موقع الهادي والموجه للرأي العام والمساهم في اعادة بناء المجتمع بعد هذه التجربة من التفكك الاجتماعي الخطير.

تطور اهتمامات الاعلام العراقي الراهن
في هذه الايام التي انحسر فيها الارهاب وبدأ عهد جديد من الاستقرار والاعمار والتداول السلمي للسلطة، سوف تظهر استحقاقات الاستقرار على جميع الاصعدة ومنها استحقاقات القطاع الاعلامي الذي بدأ يفكر بنهج اكثر عمقا واحترافا باحثا عن الهوية الاعلامية المميزة لعراق حر تعددي ، وهنا يأتي دور الحكومة لاسناد هذه المؤسسات واحتضانها لتؤدي دورها الحضاري بالشكل المطلوب.
ومع هذا التطور المهم للإعلام برزت الكثير من القضايا التي تهم الاعلام العراقي ولها صدى كبير في العالم كله. وهناك حديث مهم عن الصور المتبادلة بين العراق وبين الآخرين في العالم ، وأثير ذلك في العديد من المناسبات مثل كيف ينظر العراقيون الى العرب والأمريكان والأوروبيين وكيف ينظر الأوروبي والأمريكي والعربي الى العراقيين وهو ما أصبح محل دراسة لدى باحثينا اليوم باعتبار ان الأمر يؤثّر على الشعوب والعلاقات السياسية.
والصور المتبادلة النمطية أصبح سهلا أن نرصدها في ظل التطور في الإعلام، لأن الإتاحة الهائلة لهذه الصورة لدى قطاعات واسعة من الشعب لم تكن موجودة قبل ذلك، فالعائلات الفقيرة الآن لديها الفضائيات حتى في القرى وهناك شغف بمشاهدة هذه الفضائيات من قبل طبقات شديدة الفقر من الناحية الاقتصادية.
وهذه الصور المتبادلة المتكونة للعراقيين وللعرب والمسلمين إزاء الآخرين يجب أن تكون محل اهتمام الإعلام، وهناك قضايا أخرى أصبحت محل تركيز واهتمام مثل قضايا المرأة ، وقضايا الأقليات، وقضايا البيئة والخدمات والأمن والارهاب وغيرها.
والصورة النمطية التي تحاول مصادر إعلامية عربية وغربية أن تلصقها بالعراقيين والإسلام والمسلمين تمثل إحدى القضايا الجديدة المطروحة علينا، وأهم تطور يحدث في عالمنا اليوم ويتصل بالإعلام هو ما تتعرض له المجتمعات العربية والإسلامية من رياح حقيقية للتطوير وخاصة التطوير الديمقراطي.
والواقع أنه لا يوجد إعلام حقيقي دون ديمقراطية، وهذا الوضع الجديد هو الذي يمثل التحدي الأساسي للإعلام في العراق ، وكلما استطعنا أن نوفر مناخا ديمقراطيا حقيقيا استطعنا أن نتوصل إلى إعلام حقيقي وفاعل.
إن المنافسة الجارية الآن بين القنوات الفضائية هي نوع من المنافسة التي يستحيل تجنبها، فالمشاهد العربي في أي بلد، ما عليه إلا أن ينظر إلى مئات المحطات المعروضة عليه ويتجه إلى أكثرها صدقا وهذا المناخ الجديد سوف يفرر في النهاية الفضائيات الناجحة التي تتناسب مع العصر وتلك الفاشلة التي لا تزال تعيش في عصر مضى، فالإعلام الذي يستطيع أن ينجح في أن يتعامل ويلبي متطلبات التطوير الديمقراطي الحقيقي هو الإعلام الذي سوف يستمر وسوف يزدهر، أما الإعلام العاجز عن ذلك التطوير مهما رفع الشعارات سوف يضمحل ولا مكان لإعلام ناجح إلا في مجتمع حر.

البديل الوطني :اعلام الاعتدال وروح الحوار
ينبغي ان يعرض الاعلام الهادف المعتدل ما تختزنه القيم الاجتماعية من قدرة رائعة على إرساء ملامح التعايش والتسامح واللاعنف في المجتمع العراقي بكافة أطيافه وانتماءاته وتوجهاته، كما يدلل على ذلك بشكل واضح تاريخ التجربة العربية والإسلامية في الحكم منذ قرون عديدة، يعضد ذلك كله حركة العقل الإنساني والوجدان الجماهيري الذي يأبى بطبعه حالات التطرف والعنف والإرهاب والتخريب والعبثية والتجهيل كوسائل أولى يعالج الواقع على ضوئها.
والاعتدال في الخطاب الاعلامي هوعدم الميل يمينا أو شمالا بحيث يكون خطابا غير متمترس أو متخندق خلف اطروحات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية معينة وهذا بطبيعة الحال يؤثر في المتلقي حيث لايميل به بحسب الوجهة التي أرادها صاحب القراءة سواء كانت دينية ايديولوجية ام علمانية ليبرالية أم غير ذلك ، بل يطلقه كمتلق واع يفكر ولايكفّر ، يختزن قدرة على استيعاب وجهات النظر المختلفة دون ان يعني هذا بالضرورة محاكمتها آيدولوجيا أو عقائديا، كما لايعني بالضرورة ايضا تأثره بكل مايلقى اليه من ثقافات وأفكار..
وهو الإعلام الذي ينطلق من أسس فكرية وطنية واجتماعية وعالمية تحقق له أهدافاً سامية في التعايش والانفتاح والحوار ، فيرقى بالإنسان في جميع الجوانب التي يحتاج إليها في الجانب الفكري والعقدي والثقافي والاجتماعي والنفسي والاقتصادي والترفيهي.
ويذكر ان كل إعلام منضبط يستخدم الأساليب والوسائل المتاحة لإيصال الرسالة فهو إعلام انساني هادف.. بينما هناك مؤسسات إعلامية تنسب للإعلام الإسلامي وقد تكون تقدم برامج بعيدة عن الإعلام الإسلامي الهادف..ويوجد إعلام هادف في مجالات الحياة المختلفة وليس إسلامياً بالمصطلح السائد، ولكنه هادف من حيث أنّ من يتابعه يستفيد منه استفادة عملية في أمور معاشه، فهو بهذا ينضم إلى الإعلام الهادف.
الاعلام الوطني: أهداف وأساليب مقترحة
ويسعى الإعلام الوطني المعتدل والملتزم بالقيم الانسانية الخيرة إلى تحقيق أمور هامة، نذكر منها:
1. توفير المعلومات عن الظروف المحيطة بالناس (الأخبار)، ونقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل، والمساعدة على تنشئة الجيل الجديد من الأطفال أو الوافدين الجدد على المجتمع، ومساعدة النظام الاجتماعي؛ وذلك بتحقيق الاجتماع والاتفاق بين أفراد الشعب أو الأمة الواحدة عن طريق الإقناع في لمّ شمل الجماهير وضمان قيامهم بالأدوار المطلوبة.
2. مواجهة حالة الضياع والتطرف التي يعيشها المجتمع المعاصر عامة، والمجتمع العراقي خاصة، بما يعيد التوازن السليم بين القيم والمتغيرات السياسية التي يمر بها العراق وهو يتجه الى بناء دولة القانون والمؤسسات ، مع الأخذ بنظر الاعتبار مستحدثات العصر الفكرية منها والمادية.
3. تحقيق مواجهة إيجابية فاعلة أمام حملات غير المسلمين ممن يعادون الإسلام إما جهلاً به أو حقداً عليه، وذلك من خلال أجهزة ووسائل متطورة تواكب مطلوبات العصر؛ بما يحقق إعلاماً قادراً ومتميزاً يقوم على المنهج العلمي الحواري الصحيح.
4. تقديم المادة التربوية والاخلاقية وفقا لأصول الثقافة العربية والاسلامية ونقد ما لصق بها من شبهات وافتراءات، من خلال برامج تجمع بين قوة الحجة وفنّ الإقناع والتأثير، الى جانب الجاذبية وحسن العرض.
5. وله أهدافه الترفيهية، فهو ايضا للتسلية والترويح، ولتجديد النشاط من اجل أداء الواجبات والقيام بالمسؤوليات..كما أنه أيضًا للتدريب على معاني القوة ووسائل التقدم والمواجهة ..
ويتم ذلك من خلال الدعوة والترويج إلى اعتماد أفضل أساليب القول والأداء في ممارسة الإعلام ودعوة الآخرين: والتي تتمثل في؛
اولاً: اللين والاعتدال في القول والخطاب والاداء واختيار المفردة.
ثانياً: البصيرة والتعقل والدقة في التوصيل والمواجهة والطرح.
ثالثاً: الحكمة والحِرفية في العرض واختيار الوقت والموضوع المناسبين.
رابعاً: الجمالية والروعة في الاداء والابتكار .
خامساً: مناغمة ذوق العصر واساليبه الفنية الحديثة..
سادساً: لا بد من هضم تجربة الإعلام في أوروبا، واستعراض الخبرات الأوروبية في تطوير وسائل الإعلام، وبصفة خاصة النموذج البريطاني، والفرنسي، والتشيكي...فقد قدم الإعلام الأوروبي المحلي نموذجًا في نجاح محطات الخدمة العامة في تقديم بديل مجتمعي للإعلام الرسمي الحكومي من جهة، وبكسره لاحتكار الإعلام الخاص من جهة أخرى.
وهذا ما يتيح الفرصة للباحثين والإعلاميين العراقيين ؛ لاستكشاف الخبرة الأوروبية في مجال الإعلام المرئي والمسموع؛ والاستفادة بمزاياها في تحرير الإعلام العراقي وتنظيم وإعادة هيكلته .
وهذا يشمل كل انواع الاداء الاعلامي المرئي والمسموع والمقروء،وفي هذا المجال بالذات يمكن الاستفادة من التجارب والخبرات مهما كان مصدرها لأن الامر هنا يتعلق باستعارة الاساليب الجمالية المبتكرة والقوالب الفنية الحديثة لتمرير المضمون الخاص، وهذا اشبه بالحكمة التي يأخذها الانسان من أي مصدر كان..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق