الثلاثاء، 19 مايو، 2009

قضية المرأة في العراق


في مسيرة قرن من عمر العراق الحديث سجّلت التطورات الاجتما عية والسياسية واقتصادية كثيرا من المتغيرات. ولقد كانت التراكمات الهائلة للاحداث قد ولَدت تغيرات نوعية عكست عددا من الطفرات الموضوعية في الحياة العامة ، كان من أبرزها صعود دور المرأة العراقية وتعاظمه ، الامر الذي جسّدته القوانين العراقية مثلما برز في تفاصيل المشهد الاجتماعي..
ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة مطلع القرن الماضي حبيسة البيت وجدرانه.. وفي وقت كانت لا تخرج من بيت أبيها إلا إلى بيت زوجها حيث يوصف البيت الذي تعيش فيه (بالقبر) حسب الميثولوجيا العراقية وحياتها بلا جدوى ولا أية قيمة إنسانية جدية..
إنّ التعبير عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في القانون هو عملية معقدة بحاجة إلى مزيد من التفاعل والأنشطة من أجل تثبيت الحقوق وإنصاف المرأة - الإنسان في مجتمع يحمل بين نواحيه تقاليد متخلفة استطاع النظام الدكتاتوري أنْ يدفع باتجاهها عبر القمع والإكراه والتشويه.. وهكذا ظل القانون هو قانون الرجل المستبد المريض، ومن ثمّ فلسفة الأحادية والذكورة والفحولة وسطوة قوة تستلب المرأة من حقوقها حتى أبسطها...
ان الممارسات العنفية السلبية والمريضة لم تستطع اختزال المجتمع وحركته الإيجابية في سياستها الظلامية..ولكن ما يجب الالتفات إليه هو أنّ أي نظام شمولي من نمط النظام المباد هو أسّ البلاء ليس للمرأة وحدها بل والمجتمع أيضا.
ولابد في جوهر الأمر أن تقف بحزم وقوة من أجل منع تثبيت ما يتعارض مع الحريات الإنسانية الأساس ومع حقوق المرأة الجوهرية وبعد ذلك ليكن ما يكون من أيديولوجيا وغيرها.. المهم أن تعي المرأة لمن تعطي ثقتها.
وإذا كانت معظم الدساتير في الدول العربية قد أتاحت للمرأة ممارسة حقوقها السياسية، وكفلت لها جميع الفرص التي تمنحها المساهمة الفعلية والكاملة في المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية... فإن الواقع العراقي يؤكد أن المرأة لم تنل الحقوق التي نص عليها الدستور، لأن السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي في غالبها للرجل.
وبالتالي هو الذي يعطي وهو الذي يمنع. وهذا يعني أن أي تعبير عن وضع المرأة يعتمد أساسا على التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية في المجتمع. فالتقدم والرقي في أي مجتمع يقاس بدرجة مشاركة المرأة، لأن العلاقة بين وضع المرأة في المجتمع ومشاكل التنمية هي علاقة تأثر وتأثير.
وفي حال فكرت القيادات السياسية العراقية في رفع شأن مجتمعاتها، فعليها أن ترفع من مستوى مساهمة المرأة في النشاط التنموي على مختلف مجالاته. وعليها أن تمحو أمية المرأة، وتؤهلها مهنيا لتتمكن من المشاركة في عملية التنمية، ومن الطبيعي أن تجد في نفسها القدرة على تمثيل نفسها والمجتمع العراقي الذي تشكل أكثر من نصفه حجما.
وفي ظل التحول الجديد في العراق صار عليها أن تصر على التقدم بنسبة تمثيلها في المؤسسات الرسمية وفي التجمعات الثقافية والفئوية والمهنية وغيرها.. وأن تثبت جدارتها عبر الارتقاء بقراءاتها ومعالجاتها لقضايا المجتمع من وجهة نظرها ورؤيتها للأوضاع العامة.. فليس من يعبر عن قضية كصاحبها، وقضية المرأة ووجودها الإنساني لا تحسم إلا بتمثيلها ووجودها. وليس صحيحا أن أنصارها من الرجال يمكنهم التعبير عن قضايا كثيرة مخصوصة في الحياة العامة..
وذلك نظرا لخطورة دورها في الحياة والمجتمع فأن المجتمع الإنساني يحتاج إلى علل وعوامل ليتأمن صفاء الضمير بين أفراده ولا تكفي فقط القوانين والمقررات السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها .
ومن ناحية أخرى ، إن المجتمع البشري الكبير يتشكل من مجتمعات صغيرة عائلية ، أي ان أعضاء العوائل المتعددة هي عامل تحقق مجتمع رسمي ، وما دام لم يقع سبب الرأفة بين أعضاء الاسرة ، فان روح التعاون وعلاقات المحبة لا تقوم ابداً بين أفراده عند تشكل المجتمع الرسمي ، وأهم عامل يثير الرأفة والتضحية والايثار بين أفراد العائلة هو تجلي روح الأم بين أعضاء الأسرة ؛ لأنه رغم ان الأب يتولى الأعمال الإدارية لمجتمع صغير ( أي العائلة ) .. ولكن أساس العائلة الذي شيد على الرأفة والوفاء والارتباط هو بعهدة الأم ؛ لأن الأم تولد أبناء يرتبط كل منهم بالآخر ، والأفراد الذي يولدون من امرأة واحدة ليسوا مثل فواكه شجرة واحدة حيث لا تظهر روح الايثار الإنساني في مستوى النبات وليسوا مثل صغار حيوان انثى يفتقدون التعاون الإنساني ، ولا يتجلى فيهم الارتباط البشري الخاص .
إنّ الخوف من التقاليد أو الخضوع لها أمر يضعف من إمكانات تحقيق مكانة المرأة ومكانها الاجتماعي وهو يُلحقها تابعة صاغرة لمفاهيم تستلبها شخصيتها الإنسانية القويمة، ومن الطبيعي أن تعمل المرأة اليوم أولا بأول من أجل الخطوة الجوهرية الأساس ألا وهي خطوة تثبيت حقوقها الإنسانية في الدستور العراقي المنوي تعديله في أجواء من الصراع العنيف تتصاعد فيه حدة مشاكسة القوى الظلامية وتقدمها نحو تثبيت رؤاها التراجعية ..
إن الدور والواجب على المرأة أداؤه، ليس هدّية يقدّمها الرجل لها، فإذا امتنع من تقديمه فلا دور لها في الحياة، بل هو حق من حقوقها ومسؤولية من مسؤولياتها. وعليها أن تلتزم هذا الحق وتمارس هذه المسؤولية، وإلا فلن يشفع لها أمام الله والتاريخ أن تعتذر بأن الرجال لم يتركوا لها واجباً أو لم يقدموا لها دوراً.
من هنا يمكننا أن نقول: إن التقدم بقضية المرأة مرهون بنجاحها في تنظيم نفسها وحركتها وتوحيد صفوف منظماتها وتنسيق الجهود وشن حملة جدية وقوية من أجل التوعية ومن أجل جذب اكبر تجمع نسوي بعيدا عن سطوة فلسفة الذكورة المقيتة والتحول إلى أوضاع المساواة والتكافل والتكافؤ ..
وبالتقدم في المجالات التي وقف التراجع فيها حالياً ينبغي الاستناد في حركة التوعية إلى قواعد مكينة من تاريخ نضالي للمرأة وللحركة الوطنية العراقية..
ولابد أن يتوّج نضال المرأة العراقية بمبادئ وقوانين وفقرات دستورية صريحة وإلا فستظل رهينة التفسيرات المزاجية لقوى التخلف والظلام المنتشرة المستشرية في الحياة العامة..
لقد عكست مشاركة المرأة العراقية في الانتخابات ضرورة أن تولي الحركة النسائية العراقية اهتمامها الى الجانب الكيفي للمشاركة ، واذا كانت المشاركة في جانبها الكمي من حيث قياس عدد المشاركات هي في حد ذاتها دلالة على وضع المرأة في الحياة العامة ، فانه لابد من استكمال وصف هذا الوضع من خلال نوعية المشاركة لتفعيلها وجني ثمارها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق